المقريزي
197
المقفى الكبير
فلمّا قدم أبوه مكّة حمله وطاف به البيت وسأل اللّه أن يجعله عالما عاملا . فنشأ بمدينة قوص على حالة واحدة من الصمت ولزوم الاشتغال بالعلوم والصيانة والديانة والتحرّز في أقواله وأفعاله والتنزّه عن النجاسة والتشدّد في ذلك ، حتى إنّه ، وهو في عشر سنين من عمره ، أراد أن يركّب حبرا ، فغسل الهاون بيده مرّات عديدة . [ شيوخه ] ثمّ رحل إلى القاهرة ، وسافر إلى دمشق سنة ستّين وستّمائة . وسمع الحديث من أبيه الشيخ مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب ، ومن البهاء أبي الحسن عليّ بن هبة اللّه بن سلامة الشافعيّ ، والحافظ زكيّ الدين عبد العظيم المنذريّ ، وأبي الحسن محمد بن الأنجب أبي عبد اللّه بن عبد الرحمن الصوفيّ البغداديّ النعّال ، والحافظ أبي الحسن عليّ بن محمد بن محمد بن محمد التّيميّ البكريّ ، وأبي العبّاس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسيّ ، وأبي الحسن عبد الوهّاب بن الحسن بن محمد بن الحسن الدمشقيّ ، وأبي الحسن عليّ بن أحمد بن عبد الواحد المقدسيّ ، وقاضي القضاة أبي الفضل يحيى ، ابن قاضي القضاة أبي المعالي محمد بن علي بن محمد القرشيّ ، وأبي المعالي أحمد بن عبد السلام بن المطهّر ، وأبي الحسن عبد اللطيف بن إسماعيل ، والحافظ أبي الحسين يحيى العطّار ، وخلائق . وحدّث بقوص ومصر ، فسمع منه شمس الدين محمد بن أحمد بن حيدرة ، وشمس الدين محمد بن أحمد بن عدلان ، وعلاء الدين عليّ بن إسماعيل القونويّ ، وأثير الدين أبو حيّان محمد بن يوسف الغرناطيّ ، وفخر الدين عثمان ابن بنت أبي سعد ، وفتح الدين محمد ابن سيّد الناس ، وقطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبيّ ، وخلائق . وكان قليل التحديث . واشتغل بالفقه على مذهب الشافعيّ ، ومذهب مالك أيضا ، على أبيه مجد الدين ، وبفقه الشافعيّ على البهاء هبة اللّه القفطيّ . وكان يقول : البهاء معلّميّ . ثمّ لازم شيخ الإسلام عزّ الدين عبد العزيز ابن عبد السلام « 1 » وأخذ عنه علما كثيرا . وقرأ الأصول على والده . وحضر عند شمس الدين محمود الأصبهانيّ لمّا كان [ 164 ب ] حاكما بقوص وسمع دروسه . [ مصنّفاته ] وقرأ العربيّة على الشيخ محمد ابن أبي الفضل المرسيّ . وصنّف وأملى . فمن أماليه : شرح عمدة الأحكام ، وهو يدلّ على علوّ منزلته في العلم . وشرح كتاب الإلمام « 2 » ، وهو يتضمّن من الفوائد النقليّة ، والقواعد العقليّة ، والأنواع الأدبيّة ، والنكت الأخلاقيّة ، والمباحث المنطقيّة ، واللطائف البيانيّة ، والموادّ اللغويّة ، والأبحاث النحويّة ، والعلوم الحديثيّة ، والملح التاريخيّة ، والإشارات الصوفيّة ما لو كمل ، لأغنى عن كلّ مصنّف في هذا المعنى . قال القاضي شمس الدين محمد بن أحمد ابن القمّاح الشافعيّ : أنا جازم أنّه ما وضع في هذا الفنّ مثله . وينقل عن شيخ الإسلام تقيّ الدين أحمد ابن تيميّة مثل ذلك ، وأنّه قال : وهو كتاب الإسلام . وجمع كتاب الإلمام في أحاديث النبيّ عليه الصلاة والسلام : حاز مع صغر حجمه جملة كبيرة . وله كتاب اقتناص السوانح أتى فيه بأشياء
--> ( 1 ) توفّي العزّ ابن عبد السلام سنة 660 . ( 2 ) الإسنويّ 2 / 229 : الإلمام هو مختصر كتابه « الإمام » .